الأخطل

نـون 28-07-2012 72 رد 37,762 مشاهدة
ن
خاتمة المبحث الثالث:


ان التشبيه أكثر الاساليب البلاغية تداولاً بين الشعراء الجاهليين والأمويين الذين يقتفون آثارهم. وآية هذا الاسلوب أنّه سبيل إلى تأدية الغَلو ونقل الصور الانفعالية بواسطة المقارنة والاستنتاج ، متخذاً صفة أو حالة أو ظاهرة عبر معاناته لها وانفعاله بها بحيث يشعر ان في نفسه منها اكثر مما في نفوس الناس أو فيما جرى على العرف أو دأب عليه التقليد، أما الكناية فتقوم المقام الاول في فنية الاخطل يُحلُّ بها الصور محل الفكرة ويدع الأفكار والخواطر تشاهد من خلال الواقع الحسي الذي يتكنى به عليها. وما إلى ذلك من ظواهر بلاغية متفاوتة في شعره.
ن
المبحث الرابع

التأثر والتأثير



يتأثر الشاعر ببيئته وحياته الاجتماعية فيعبر عنها ويتأثر بمّن سبقه وعاصره من الشعراء أو ممن روى أشعارهم كما يتأثر به وبشعره شعراء آخرون فيستلهمون افكاره وأسلوبه الشعري وهذا ما اصطلح عليه النقاد (السرقات الشعرية).

والسرقة لغة: أخذ مال معتبر من حرز أجنبي لا شبهة فيه خفية"([1])، وأما السرقة الادبية فهي سبق بعض الشعراء الى تقرير معنى واستنباطه فأذا أخذ احد الشعراء، ذلك ومنحهُ عبارة او عبارات أخرى عُدّ ذلك سرقة ادبية([2]).

وتعد ظاهرة السرقات الادبية من القضايا التي عرفها النقاد القدامى واهتموا بها في وقت مبكر([3])، وقد اتسع نطاق الاهتمام بهذه الظاهرة في وقت لاحق فالفت كتب خاصة بها([4]).

وكانت السرقة الأدبية في مقدمة المسائل التي حظيت باهتمام النقاد وعلى مرّ العصور وحددت حقيقتها وأحوالها، ومتى تكون سرقة ومتى لا تكون كذلك([5]).

كما أدت الخصومة والحزازات الشخصية بين الشعراء والنقاد واحياناً بين الشعراء أنفسهم الى استقصاء مصادر معاني الشاعر والفاظه، فضلاً عن الأرتباك الذي يثيره النقد عند الشعراء مما يبعدهم عن استخدام الجديد واللامألوف ومسايرة القديم في اللفظ والمعنى([6]). وكانت السرقة في العصر الجاهلي وصدر الأسلام والاموي مجرد اشارات بين الشعراء أنفسهم او بين الشعراء وناقديهم وفي العصر العباسي، وقد ظهر اتجاه نحو استخدام المصطلح النقدي في السرقة الأدبية([7]).

والأخطل من الشعراء الذين تأثروا بمن سبقهم ومن عاصرهم ، مثلما أثر بمن عاصره وتلاه من الشعراء. ونجد ان هناك عدداً كبيراً من الالفاظ انحدرت من قصائد فحول الشعراء قبل الاسلام وتفشت في شعره فضلاً عن ظهور كثير من القوالب الجاهزة والصور مبثوثة في شعره وهذا التأثر والاقتباس لم ينقص من شاعريته لأنه عُرف بجودة الشعر وعندما يتأثر بمن سبقه ويأخذ منهم فأنه يحافظ على معنى النص ودلاليته بالاجادة في رسم الصورة المبتكرة المعبرة عن روح الحضارة الاسلامية في عصره ، فأمتاز شعره بالجزالة وقوة الاستواء والأسر والتهذيب([8]).

وأول ما يلوح في هذا الاتجاه قول الأخطل، نحن معاشر الشعراء أسرق من الصاغة”([9]).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) لسان العرب، 12/21 (مادة سرق).

([2]) ينظر: الطراز، العلوي، 3/188.

([3]) على سبيل المثال ينظر: فحولة الشعراء، ص16، طبقات فحول الشعراء،1/54،55، 2/55، 733 البيان والتبيين 1/407، الحيوان 3/311، 6/429، الشعر والشعراء1/73، 134، 144-148، 2/563، 581، 582، 597، 626، 689، الوساطة 183-412.

([4]) نذكر منها الرسالة الموضحة للحاتمي (ت 388هـ)، الإبانة عن سرقاتالمتنبي، العميدي (ت 433هـ).

([5]) ينظر: تاريخ النقد العربي عند العرب، طه احمد ابراهيم، ص161.

([6]) ينظر: النقد الأدبي عند عبد القاهر الجرجاني، عبدة عبد العزيز،ص301، 302.

([7]) تشعبت وتنوعت هذه المصطلحات على يد العديد من النقاد، وقد حددتبألقاب محدثة كـ(الاصطراف، الأجتلاب، الأنتحال، الأحتدام، الأغارة، المرافدة، ...)ينظر: السرقات الأدبية، دراسة في ابتكار الأعمال الأدبية وتقليدها، د. بدوي طبانةص53. ويرى رشيق ان هذه المصطلحات ليس لها طائل اذا حققت، ينظر: العمدة 2/280، 281،293. ولمزيد من التفاصيل عن مصطلحات السرقة الأدبية وتصنيفها. ينظر: مصطلحاتالسرقة الأدبية في التراث النقدي العربي الى نهاية القرن السابع الهجري، سندس محسنالعبودي، رسالة ماجستير على الالة الكاتبة، 1996م.

([8]) ينظر: لغة العرب، الكرملي، ص403، وينظر: من تاريخ الادب العربي، طهحسين 1/615-618، ط2.

([9]) الموشح، ص225، وينظر: تاريخ النقد، زغلول، ص93.
ن
يشير هذا القول إن صح ، الى شيوع سرقة الشعر ومهارة الشعراء فيها. وأنه كان يستمد منهم بعض معاني الشعر واساليب القول ثم يضيف إليه من تجاربه وإبداعه ما يصوغه في قالب ذاتي، يمثل شخصيته الفنية. ولعل اظهر تأثر للأخطل، هو ما يبديه من تتبع لشاعره المفضل: الأعشى. فقد كان الأخطل يجلّه كثيراً، ويقدمه على نفسه راضياً او مكرهاً. فلا غروَّ ان يتسقط نتاجه، ويقتبس من قفزاته الفنية ما يزين شعره. وتأثر الأخطل بالأعشى واضح وضوح الشمس. فهناك ابيات كثيرة تأثر بها الأخطل من شعر الأعشى وأخذها. مثال ذلك قول الأعشى في وصف قربة جلدية، يوضع فيها الماء من صنع الأحباش السود:

تحسب الزّقَّ لديها مُسنداً ***** حبشياً، نام عمداً فأنبطح([1])



فأخذ ابو مالك الصورة نفسها وجللها لنفسه في وصف آخر يقول فيه:


أناخوا فجرّوا شاصيات كأنها **** رجال من السودان لم يتسربلوا ([2])



وقد أنشد الأخطل ببيته:

حتى إذا أخذ الّزجاج أكفّنا ***** نفحت فأدرك ريحها المزكوم([3])



فقال الأخطل للمُديني: الست تزعم أنك تبصر الشعر؟ فقال: بلى. قال: فكيف لم تشقّ بطنك عنثوبك عن هذا البيت؟ فقال: قد فعلت عند البيت الذي سرقت هذا منه؟ قال: وما هو؟ قال: بيت الأعشى:

من خمر عانة قد أتى لختامها ***** حَولٌ، تفض غمامة المزكومِ



فقال الأخطل: أنت تبصر بالشعر([4]).
واذا تجاوزنا الأعشى في هذه الصورة الى غيره نجد النابغة الذبياني أيضاً مفضلاً لدى شاعرنا، يجلّه ويقدمه ويتتبع خطاه في بعض شعره ولا سيما المديح، إذ تنبه النقاد إلى ذلك وأشاروا إلى التشابه القائم بين اشعارهما، كما تنبهوا إلى تأثر الاخطل بالشعر الجاهلي بعامة، إذ يقول أبو عبيردة "كان ابو عمرو يشبه الأخطل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) الرق: جلد (قربة) يحفظ به الماء والخمر يتخذ في الاسفار خاصة. يشبهالأعشى الزق في اسوداده برجل حبشي قد رقد على الارض عارياً.

([2]) شعر الأخطل 1/16. يشبهه الأخطل برجل عار من السودان. الشاصية: الزق.

([3]) م.ن 2/247 هناك رواية ثانية للنص/ واذا تعاورت الكنّ زجاجها نفحتفنال رياحها المزكوم. ينظر الموشح، ص221-222.

([4]) م.ن 2/247.
ن
بالنابغة لصحة شعره"([1])، وقال ابن قتيبة : "وكان الأخطل يشبه من شعراء الجاهلية بالنابغة الذبياني"([2]). كما في هذه الصورة المركبة في وصف كرم الممدوح:-

فما الفرات أذا جاشت غواربه ***** ترمي أو اذية العبرين بالزبد ([3])
يمده كل وادٍ مترع لَجب***** فيه ركام من الينبوت والخضدِ([4])
يظل من خوفه الملاح معتصما ***** بالخيزرانة بعد الأين والنّجدِ([5])
يوماً بأجود منه سيب نائلةٍ***** ولا يحولُ عطاء اليوم دون غدِ


نجدها تثير الأخطل بفخامتها واتقانها، فيحوم حولها، لينهل منها في مديح عبد الملك([6]) بالمعنى نفسه:-

وماالفرات- اذا جاشت حوالبه ***** في حافيته وفي اوساطه ، العشر
وذعذعته رياح الصيف، واضطربت ***** فوق الجاجيء ، من أذية غدر
ومسحنفرٌ من جبال الروم، تستره ***** منها اكافيف ، فيها دونه زور ([7])
يوماً بأجود منه حين تسأله ***** ولا بأجهر منه حين يجتهر ([8])


ومما يذكر ايضاً ان النابغة كان يذكر في بعض مدائحه فضائلالممدوح وما يجره موته من بلاء على الناس. ومن ذلك قوله في النعمان([11]):-

بعثت على البريّة خير راع ***** فأنت امامها، والناس دينُ
نكون رعيّة، ما دمت حياً ***** ونهباً بعد موتك ما نكونُ



وقد تتبع الأخطل هذه المعاني ايضاً، وأتفاد منها في اشعاره، معانها كانت موطن نقد للعلماء([12]). فهو يخاطب عبدالله بن معاوية بقوله([13]):

فالمسلمون بخير، ما بقيت لهم ***** وليس بعدك خيرٌ، حين تفتقدُ


على أن تاثر الأخطل لم يكن محدوداً بألأعشى والنابغة، وإنماتعدّى ذلك الى غيرهما من الشعراء.

فأمرؤ القيس يصف أثر الخمرة في شاربها([14]):

وكأن شاربها أصاب لسانه ***** مومٌ، يخالطُ جسمه بسقامِ


فنرى هذا البيت بعباراته في قول الأخطل([15]):

وكأن شاربها أصاب لسانه ***** من داء خيبر، أو تهامة مومُ


ومن بيت المتلمس المشهور([16]):

وكنّا إذا الجبار صعّر خدّه ***** اقمنا له من ميله، فتقوّما


استقى منه الأخطل قوله([17]):


إذا الأصيد الجبار صعّر خدّه ***** أقمنا له من خده المتصاعرِ


ويفتتح الأخطل أحدى قصائده بقوله([18]):

صحا القلب عن أروى، وأقصر باطله ***** وعادله، من حبّ أروى، اخايله


وهو صدى لمطلع قصيدة زهير([19]):

صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ***** وعُرّي افراس الصّبا، ورواحله


وقصيدة كعب بن زهير المشهورة ([20]):


بانت سعاد، فقلبي اليوم متبول ***** متيّم اثرها، لم يُفد، مكبولُ


نجد ان ملامح التأثر تبدو واضحة في قصيدة الأخطل التي قالها في الهجاء([COLOR=black][FONT=Times New Roman][21]):[/COLOR][/FONT]

بانت سعاد، ففي العينين ملمول***** من حبها وصحيح الجسم مخبول


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


[1])الاغاني 8/286.

([2])الشعر والشعراء 1/189.

([3]) الديوان: 176، جاشت: اضطربت، غواربه: أعاليه من الماء والامواج،أواذيه: جمع آذي وهو الموج، العبران: الشطان.

([4]) لجب: ذي صوت، الركام: المتكاتف، اليتبوت: الشجر الخشخاش، الخضد: ماتكسر وتخضد عن أي نبات

([5]) الخيزرانة: قصبة تنثني، الأين: التعب والكلال، النجد: العرق منالكرب.

([6]) شعر الأخطل 1/197.

([7]) جاشت: زخرت واضطربت، العشر: كبار الشجر، جواليه: امواجه، يريد انهيقتلع بحرية الشجر عن حافتيه، ويسوقها الى اوساطه.

([8]) ذعذعته: فرقته، الأذى: الموج، الغدر: جمع غدير، جآجته: صدور وقيلهنا صدر السفن.

([9]) المسحنفر: المتدفق السريع الجري، اكافيف: ما يكف الماء عن الجري،وقصدها اكفاف والزور الميل.

([10]) الجهير: الجسيم الرائع يقال جهرت الرجل (اجهرته) اذا اعجبك حسنه.

([11]) ديوان النابغة ص266.

([12]) ديوان المعاني 1/27.

([13]) شعر الأخطل 2/176.

([14]) ديوان امرئ القيس ص155.

([15]) شعر الأخطل 1/384، الموم: قرح (إن من يحتسيها يعتري لسانه منها مايشبه الخمر).

([16]) معجم الشعراء ص13. وينسب الى غير المتلمس، ديوان المتلمس، ص.

([17]) شعر الأخطل 2/189.

([18]) م.ن 1/338.

([19]) ديوان زهير، 124.

([20]) شرح ديوان كعب بن زهير ص6.


([21]) شعر الأخطل 1/ 54 الملمول : الميل يكتحل له . اراد انه مكتحل بالسهر . والخبل : الفساد .
ن
ومن قول حسان الذي يصف فيه سير الخمرة في الجسم بقوله([1]):

تدبُّ في الجسم دبيباً كما ***** دبّ دبيّ وسط رقَّ هيام


أخذ شاعرنا هذا البيت وفصّل في جزئيات الصورة ، إذ شبه دبيب الخمر في العظام بدبيب النمل ، ووجه الشبه هنا البطء في السير، فالنمل يترك أثراً بعد انحداره من الرمل والخمر تترك أثراً في العظام بعدما تتمشى بها وهذا مايعرف بالتشوه حيث قال([2]):

تدبُ دبيباً في العظام، كأنّه ***** دبيب نمال في نقاً يتهيلُ


ومما يستشهد به الحاتمي هو اتباع الأخطل لقول أوس بن حجر([3]):

معازيل حلالون- بالغيب- وحدهم ***** بعمياءً حتى يُسألوا الغد ما الأمرُ


أخذه الأخطل فأحسن العبارة، واستوفى المعنى فيه، فصار أحق به من المخترع له، بقوله في الهجاء([4]):

مخلّفون ويقضي الناس أمرهم ***** وهم بغيبٍ وفي عمياء ماشعروا


فأخذ الأخطل هنا يقع تحت مصطلح المجدود، على مايراه الحاتمي إذ يقول عنه "هو اشتهار الأخذ بالمعنى دون المأخوذ منه، وهذا الشعر يسمى المجدود، لاشتهاره، دون الأصل"([5]). وعلى هذا فأوس بنحجر وان كان له السبق الى المعنى وابتكاره، إلاّ أنّ الأخطل بحسن أخذه وبراعة صياغته، التي أجاد وأبدع فيها، صار أحق بالمعنى من المخترع له.
وعرض الحاتمي في باب كشف المعنى وابرازه بزيادة تزيده نصاعةً وبراعةً في نظم المنثور. إذ عمد الى قول بعض اليونانيين "العشق شغل قلب فارغ". فنظم الأخطل معنى هذا النص شعراً قائلاً([6]):
وكم قتلت أروى بلا ترةٍ لها ***** وأروى لفُرّاغ الرجال قتول


وعلق الحاتمي على هذا البيت بأنه مما تقدم فيه الشاعر، واخف ىالسرقة فيه([7]). وللقرآن الكريم أثر واضح في اشعار الشعراء على اختلاف الاغراض والميادين إذ نجد صدى واسعاً لأثره بمعانيه والفاظه وصوره حيث انس لهذا الأثر الى لغة الشعراء لأن القرآن هو الذروة البلاغية في الكلام العربي ونتيجة لاعجابهم به وكثرة قراءتهم له دخلت الفاظه الجديدة في اساليب الشعراء والكتاب والخطباء([8]).والأخطل كغيره من الشعراء نهل من الثقافة الاسلامية علاوة على انه ذو ثقافة نصرانية امتزجت مع الثقافة العربية على الرغم من أننا لانجد صدى كبيراً للتعابير النصرانية في شعره ([9])، ولكننا نتلمس اثراً في بعض عباراته والفاظه تضميناً وأقتباساً لكثير من آيات الذكر الحكيم.
لقد صاغ الأخطل بعض التعابير القرآنية بأبيات شعرية رائعة كقوله([10]):

أقفرتِ البُلخُ، من عيلان، فالرُّحَبُ ***** فأصبحوا لايُرى إلاّ منازلهم
فالمحلبيّات، فالخابورُ فالشُّعبُ ***** كأنّهم من بقايا أمّةٍ ذهبوا


وما صدر البيت الثاني إلاّ تضمين واضح للآية الكريمة (( فأصبحوا لايُرى إلاّ مساكنهم ))([11]). كما صبّ معاني بعض الآيات القرآنية في أبيات شعرية بليغة كقوله([12]):

فلا تُطعمن لحمي الأعادي، إنّه ***** سريعٌ اليكم كرها، ونميمها


ونلمس من معاني هذا البيت صدى لقوله تعالى (( أيحبُّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ))([13]).
وهناك الكثير من الشواهد المبثوثة في ديوانه والتي تدل على تزوده بالزاد الاسلامي الوافر، فزاد من بلاغته وبديع صوره([14]).وفي هذه النماذج، دليل على أنّ الأخطل قد تأثّر بمن تقدمه أو عاصره من الشعراء. وهو أمر مألوف لدى غيره من الفحول، وليس مما يقدح في نبوغه وفحولته وتقدمه. أما ما يضعف قيمته ويقدح في شاعريته، فأن يصحّ مانسب اليه من الانتحال. فقد روي عن جرير أنه قال: "إنّه والله مايهجوني الأخطل وحده، وإنه ليهجوني معه خمسون شاعراً، كلهم غزير ليس بدون الأخطل. وذلك أنه إذا أراد هجائ يجمعهم على شراب، فيقول هذا بيتاً وهذا بيتاً، حتى يتمّوا القصيدة وينتحلها الأخطل"([15]).
وهذه الرواية تزعم أن الأخطل ينتحل شعر غيره ويدّعيه، فتجعل نقائضه مشاعاً بين شعراء كثر.
فربما استطاع خمسون شاعراً أن ينظموا، مشتركين، قصيدة واحدة أو أكثر، ولكن ماينظمونه لا يمكن أن يدعيه شاعر واحد، إذ لا بدّ من ان يكون هناك اختلاف وتفكك وتهافت فيفقد الوحدة لفنّه التي تمثل شخصية متميزة للشاعر.
وقال ابن قتيبة([16]): ومما سبق اليهالأخطل فأُخذ منه قوله([17]):

قرمٍ تعلّق أشناق الدّيات به ***** إذا المئون أمرّت فوقه حملا


أخذه الكميت فقال([18]):

كأنّ الدِّيات إذا عُلِّقت ***** مِؤُوها به الشّنق الأسفلُ


وللأخطل صور نجد أثرها في شعر غيره من الشعراء مثل ابي الهندي(ت180هـ)([19])منها قول الأخطل في وصف الخمر المعتقة في الدنان المختومة ثلاثة أعوام([20]):

كمّت ثلاثة أحوال بطينتها ***** حتى اذا صرحت من بعد تهدارِ


أخذ المعنى ابو الهندي وجعلها تثوي تسعين حجة بقوله([21]):

كميتا نوت في الدنّ تسعين حجة ***** مشعشعة في شربها واجب الحد


وزعم الآمدي أن بيت الأخطل([22]):

تدب دبيباً في العظام، كأنّه ***** دبيب نمالٍ في نقاً يتهيّلُ


أخذه ابو تمام فأفسد المعنى([23]) حين قال:

اذا الراخ دبّت فيه تحسب جسمه ***** لما دبّ فيه، قريةً من قرّى النّملِ


وأخذ عجز هذا البيت([24]):

ولقد أراك، فهل أراك بغبطةٍ ***** والعيش غضّ، والزمان غلامُ


من قول الأخطل([25]):

سعيت شباب الدّهر لم تستطعهم***** أفالآن لما أصبح الدهر فانيا؟


مما يثير الدهشة حقاً أنّ شاعراً مثل الأخطل عُرف بجودة شعره وروعة فنه، قد عمد لسرقة بعض ابيات سابقيه ومعاصريه ولوتفحصنا المسالة لوجدنا أن التشابه الحاصل في بعض ابياته وابيات غيره يعود إلى أن:-
ان الثقافة الفنية التي يتزود بها الشاعر عمادها الاول هو رواية الشعر وحفظه. ولا شكان حفظ الشعر يترك آثاراً في ذاكرة الانسان، من تجارب الآخرين وأساليبهم في الاستجابة والأداء. هذا إذا كان الشعر المحفوظ متوسط المنزلة أو جيدها. فإذا كان ممتازاً، رفيع الخيال والأداء فلا بد ان يصبح تأثيره أوضح في نفوس الناس ونتاجهم لذك لأنهم يؤخذون به فيردّدونه اكثر من غيره، ويهتمون به، ويتحرّون مواطن جماله ، ويتذوقون دقائق ابداعه، فتتوق أنفسهم – واعية أو غير واعية - إلى مجاراته ومحاكاته. وقد صرح غير شاعر بما يؤيد هذه الظاهرة التاريخية ويثبتها. قال بشار بن برد([26]): لم أزل منذ سمع تقول امرئ القيس في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت واحد، حيث يقول:

كأنّ قلوب الطَّير، رَطباً ويابساً ***** لدى وكرها العُنّابُ، والحشفُ البالي

اعمل في نفسي في تشبيهه شيئين بشيئين في بيت، حتى قلت:

كأنَّ مثار النَّقع فوق رؤوسنا ***** وأسيافنا، ليلُ تهاوى كواكبه

وهذا هو تفسير للتأثّر الواعي الذي نتلمسه لدى الشعراء ونسمّيه سرقة شعرية أو تقليداً.
أما التأثر غير الواعي فهو أبعد مدى وأوسع ميداناً، إذ ينظم الشاعر مايظنّه ابداعاً ذاتياً، ثم يتبين له أو لغيره أنه صدى لما كان في نفسه من رصيد ثقافي. فالشعر ليس موهبة فحسب، انما هو ايضاً دراسة لآثار السابقين وتمرس بها بغية الإفادة منها.
ومن ثم فإن تداول المعاني في الأجيال المختلفة من الشعراء امر طبيعي، ولكنه لا ينبغي أن يقف هذا التداول عند حدّ التقليد الأعمى والتقل الحرفي لمعاني الأخرين وصيغهم، وقد اصاب ابو هلال العسكري حين قال: “ إن من أخذ معنى بلفظة كان سارقاً، ومن أخذه ببعض لفظه كان سالخاً، ومن أخذه فكساه لفظاً من عنده، اجود من لفظ كان هو اولى به ممن تقدمه"([27]). فالعبرة اذاً بالصياغة، فلا تثبت السرقة الأدبية، الا بنقل الصياغة بأكملها لفظاً ومعنى، او نقل المعنى نقلاً حرفياً دون تحوير فني، وهو ما يندر وجوده في شعر الأخطل، لأنه حينما يأخذ المعنى يعمد الى صياغته صياغة جديدة ليست كصياغته الأولى، بما يضفي على نصه الشعري شيئاً من فنه، ويمنحه خصوصية معينة لذا فأننا لا نعد الأخطل سارقاً، بلمبدعاً ومثالاً يحتذى به من بعده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) ديوان حسان، ص227 (شرح ديوان حسان للبرقوقي، ص437).

الروائع:190، الدبى: أصغر مايكون من الجراد والنمل، الرقاق: الأرض المستوية اللينة الترابتحته.

([2]) شعر الأخطل 1/19. "نقاً" وأنقاءُ. والأنقاء في غير هذا: العظام المُمخّة. والمخ: النقي. وانما سمي نقياً لانه في الأنقاء، وهي العظام.

([3]) ديوان أوس بن حجر، ص38.

([4]) شعر الأخطل 2/67، وينظر: شرح ديوان الاخطل، تحقيق: ايليا حاوي،ص177.

([5]) حلية المحاضرة 2/90.

([6]) شرح ديوان الاخطل، ص656. فرّاغ الرجال: أي الرجال المتفرغين للهو. تحـ وشرح ايليا حاوي.

([7]) ينظر: حلية المحاضرة 2/92.

([8]) ينظر: أثر القرآن في الأدب العربي في القرن الأول الهجري ، د. ابتسام الصفار، ص12.

([9]) في شعره اشارات واستعمالات منقولة عن عادات النصارى ومعتقداتهم، ينظر: شعراء النصرانية بعد الاسلام، ص172.

([10]) شعر الأخطل 1/84.

([11]) سورة الاحقاف: 25.

([12]) شعر الأخطل 1/319. نميمها: جمع نميمة.

([13]) سورة الحجرات 120.

([14]) وقال الشاعر: أعطاه من لذّةالدّنيا وأسكنه في جنةٍ نعمةٌ فيها وتخليد

م.ن1/98.

قالتعالى ((اسكن أنت وزوجك الجنة)) سورة الاعراف: 19. كما ضمنها معنى الخلود في الدارالآخرة. قال تعالى ((والذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك اصحاب الجنة هم فيهاخالدون)) سورة البقرة: 82.

([15]) الموشح، ص224-225.

([16]) الشعر والشعراء 1/486-487، وينظر: اللسان 10/189. (شنق)

([17]) الأشناق: الأصناف، أو الزيادات التي تضاف الى الديات. القرم من الرجال: السيد المعظم. قالهُ أبو سعيد السكري في شرح ديوان الأخطل 143-144 والبيت في اللسان 12/57.

([18]) أشناق الديات: أصنافها من الحقاق والجذاع وأشباهها.

([19]) ابو الهندي: شاعر عربي تأثر كثيراً بشعر الأخطل، ويعد اول شاعر وصف الخمرة في الاسلام واستفرغ شعره في وصفها. ديوان أبي الهندي، ص9.

([20]) شعر الأخطل 1/168. ينظر: لسان العرب 5/258.

([21]) الديوان: 31.

([22]) شعر الاخطل 1/19.

([23]) الموازنة 1/85.

([24]) م.ن 1/116.

([25]) شعر الأخطل 1/352. كأنه يقول لجرير: أنت لم تدرك الفرزدق في شبابك، أفتدركه حين كبرت وضعفت.

([26]) ينظر: العمدة 1/196-197.

([27]) كتاب الصناعتين: 203.
ن
خاتمة المبحث الرابع:


الاخطل بثقافته الفنية الغنية، وروايته للشعر الجاهلي والاسلامي، وإيمانه بأن الشعراء أسرق من الصاغة، لابد أن يُظهر في ديوانه آثاراً من نتاج من تقدمه أو عاصره. إنه يستمد منهم بعض معاني الشعر وأساليب القول ثم يضيف اليه من تجاربه وإبداعه مايصوغه في قالب ذاتي يمثل شخصيته الفنية. وقد كان اكثر ذلك الاستعداد خفياً، يتعذر على الدارس إدراكه لما اعتراه من صقل وتلوين وتحوير، وأما أقله فقد سيطرت فيه آثار الفحول على الاخطل، لأنها أقوى من أن يقتادها إلى جانب الاستغلال والانتحال، أو لأنها تحمل من اصالة اصحابها مايستعصي على التزوير والتطويع، فإذا هي ظاهرة بينة ، تشير بوضوح إلى مصدرها ومبدعها.
ن


الفصل الثالث

موقف النقاد القدامى من الشاعر وشاعريته
ن

المبحث الأول : شخصيته
ن
المبحث الاول
شخصيته



الأخطل شاعر برز في ظل دولة بني امية ، وكانوا يشجعون الشعر ويتذوقونه لأنه تراث امتهم العربية وموضع فخرها كما كانوا ينقدونه في مجالسهم الادبية ، وكما نعلم فإن هذه الدولة اعتمدت الاسلام والعروبة اساساً لحكمها فقربت اليها الشعراء العرب المسلمين ولكن لم يمنعها ذلك من اتخاذ الشعراء غير المسلمين كالأخطل النصراني التغلبي شاعراً للبلاط الاموي ، وقد استطاع هذا الشاعر ان يحظى بحب الامويين والأثرة لديهم على كثير من الشعراء الاسلاميين، واصبح شاعر دولتهم في تلك المدة من حكمهم ، وهذا يدفعنا لسبر اغوار شخصيته لمعرفة دقائقها وسماتها المتميزة التي جعلته يستأثر بهذه المنزلة والحظوة لدى الخلفاء الامويين!!.
وأول مايطالعنا في شخصية هذا الشاعر هو سلطان الخمرة على شعره . وكانت الخمرة غرضاً من اغراض القصيدة الجاهلية ، يتغنى بها الشعراء ، ولما جاء الاسلام حرّم شرب الخمرة ، الا ان الأخطل لكونه نصرانياً ودينه لا يحرم شربها، لا يلتزم بتحريم الاسلام لها ، ولهذا كان محباً لشربها الى حد الأدمان مجاهراً بذلك من دون خوف او وجل. ولقد كان للخمرة أثر كبير في شخصية الأخطل الذي اصبح عاشقاً لها مدمناً عليها. ولعل عشق شاعرنا الخمر هو الذي دفع الخليفة عبد الملك حين سمع منه:-

ولست بصائم رمضان طوعاً ***** ولست بآكل لحم الأضاحي


الى أن يبادر بسؤاله ، أأسلمت ؟ فقال الأخطل : إن انت أحللت لي الخمرة ، ووضعت عني صوم رمضان ، أسلمت. فردّ عليه الخليفة أن انت أخللت بأحد هذه الشروط فأني سأقطع عنقك. واراد الخليفة معرفة ما الذي يدعوه الى شرب الخمر، قال : ياأمير المؤمنين، اذا شربتها فملكك أهون عليّ من شسع نعلي وقد قلت في ذلك شعراً([1]):

إذا ما نديمي علّني ثم علّني ****** خرجتُ أجر الذيل زهواً كأنني
ثلاث زجاجات لهن هديرُ ***** عليكَ، أمير المؤمنين أميرُ([2])


أن الأخطل لم يتهيب في أن يقول مثل هذا القول امام الخليفة وذلك لأنه "في ايام الأمويين انتشر شرب الخمر واتسعت دائرته"([3]).
لذا فأن شاعرنا اذا اراد ان ينطلق الى عالم الابداع الشعري، فزع الى الصهباء، معتذراً بصحل* الصوت ، لتفتح امامه مسالك القول ، وقيل : دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان فأستنشده ، فقال : قد يبس حلقي ، فأمر الخليفة بأن يسقوه ماءً وعسلاً او لبناً، الا انه اعرض عن شرب هذه الانواع ووجد لكل منهما ذريعة تبعده عن شربه . قال : فتريد ماذا؟ قال : خمراً يا امير المؤمنين. فنهره الخليفة . فخرج من القاعة فلقي خادماً لعبد الملك فسقاه خمراً. فدخل على الخليفة وانشده:

خفّ القطين، فراحوا منك أو بكروا ***** وازعجتهم نوىً، في صرفها غيرُ([4])


وبعد أن سمعها الخليفة قال: احسنوا جائزته ، وقال: ان لكل قوم شاعراً، وان شاعر بني امية الأخطل([5]).
وهكذا كانت الخمرة مفتاحاً لقريحة الأخطل فأذا عبّ منها استطاع ان يحلق في سماء الشعر مما يجعله يحظى بالعطايا والجوائز ويصبح شاعر بني امية.
ولعلما يفسر شدة اهتمامه بالخمرة انه لم يرثِ في شعره من الخلفاء الا يزيد بن معاوية راعيه ونديمه ، ورجلاً من رجالات الشراب يقال له ابو سمعان وقد رثاه وبكاه بما يمثله موته من الخسارة الفادحة التي أصابت كل ماله صلة بالخمورِ، قال:
لتبك أبا سمعان أطّاطة الضّحى***** الى الكرم، مرزام، رواء جرارُها([6])


وللصهباء في حياة الأخطل مساران مسار نعمة من حيث نبوغه وجرأته وإبداعه في الشعر، ومسار نقمة عندما عرّضته للهلاك والبلاء ومن ذلك ما يروى عن دخوله على بشر بن مروان([7]) وعنده الراعي([8])، وكان بشر يُغري بين الشعراء .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) ينظر: الخبر في شعر الأخطل 2/755.
([2]) م.ن 2/755.
([3]) اتجاهات الشعر العربي في القرن الثاني الهجري، محمد مصطفى هدارة،ص479
* صحل صوته: بح.
([4]) شعر الأخطل 1/192. خف: أسرع، القطين: المجاورون، أزعجتهم: أشخصتهم ، النوى: الوجهة التي يقصدون، الصرف: التقلب، الغير: التغير.
([5]) ينظر: الاغاني 8/293-294، وينظر شعراء النصرانية بعد الاسلام ص173-174.
([6]) شعر الاخطل 2/584. الاطّاطة: الحنّانة، اراد ناقة تنقل الخمر. المرزام: الكثيرة الصياح. الرواء: المملوءة او الضخمة.
([7]) بشر بن مروان بن الحكم بن ابي العاص القرشي الأموي. أمير كان سمحاً جواداً.. وهو اول امير مات بالبصرة. وكان يُغري بين الشعراء. خزانة البغدادي4/117، الاعلام للزركلي 1/55.
([8]) الراعي: عُبيد بن حصين بن جندل، سُمي راعي لكثرة صنعته للابل وحُسن نعته لها، الخزانة 1/504. طبقات فحول الشعراء 2/298-299.
ن
فقال : أنت أشعر أم هذا ؟ فأجاب الاخطل : أنا أشعر منه واكرم . فقال للراعي : ما تقول ؟ قال: أما أشعر مني فعسى ، وأما أكرم فإن كان في امهاته من ولدت مثل الأمير فنعم. فلّما خرج الأخطل قال لهرجل: أتقول لخال الأمير أنا أكرم منك ؟ قال: لقد كنت مخموراً فلم اكن اعقلُ بعدها ما أقول([1]).
ولما كان للصهباء هذا السلطان على الأخطل وهذا السحر، وكان الأخطل يعتز بها ذلك الاعتزاز، ويعجب بها الى ذلك الحد، فقد ركب رأسه في هواها، وسدّ أذنيه عن كل لومٍ أو عتاب، وأصر على مصاحبتها، أياً كانت الأحوال، لأن فيها حياته، وتركها هو الهلاك :-

ألا، لا تلوميني على الخمر، عاذلا ***** ولا تهلكيني، إنّ في الدّهر قاتلا
ذريني، فانّ الخمر من لذة الفتى ***** ولو كنت موغولاً عليّ، وواغلا
وإني لشراب الخمور، معذّلُ ***** إذا هرّت الكأس الوخام، التّنابلا([2])


ولم يكن الأخطل يحمل عقدة الذنب او الأثم بأزاء الخمرة وتعاطيها، بل كان طليق النفس والفكر يحمل من حياته القبلية حسن الاستمرارية والموقف النفسي الذي كان لسابقيه من الشعراء ولاسيما الأعشى ومع هذا التقليد في الصناعة نجده يحمل الجديد من المعاني والصور نشأ عن اختلافه الى حياة التمدن التي اصبحت موائل حضارية([3]).

ومن هذا يتبين من ان سلطان الخمرة كان مفتاح شخصية الأخطل الاجتماعية والدينية ، ومفتاحاً لجانبٍ كبيرٍ من شخصيته الفنية ، وان المُدامة ليست موضوعاً للفخر والفن فحسب بل هي قبل هذا كله معشوقته ، فقد تفنن في اوصاف الخمرة منذ ان غرست في الارض حتى عتقت مدة طويلة في الدّن، واحسن تصوير مجلس الشراب وصوره تصويراً كامل الأجزاء تام العناصر كما صور المنتشي اذا احتساها فتخور قواه وتموت عظامه. وهذه الصور جعلت منه شاعراً مجيداً في وصف الخمر، وهذا جرير يعترف له بذلك عندما سأله ابنه عكرمة عن الشعراء قال في الاخطل: يجيد نعت الملوك ويصيب في الخمر([4]).

وأيّ تصوير للجمال أوضح من تصوير الأخطل للصهباء بقوله :

ولقد تُباكرني، على لذَّاتها ***** صَهْباء، عارِيةُ القَذى، خُرطومُ([5])
مِن عاتِقٍ، حَدبتْ عليه دِنانُهُ ***** فكأنّها جربى، بهنّ عَصيمُ([6])
ممّا تغَالاه التِجارُ، غريبةٍ ***** ولَها بعانة والفُراتِ، كُرومُ([7])
وتظل تنصفنا بها قرويّةٌ ***** إبريقها، برقاعها، ملثومُ([8])
وإذا تعاورت الأكفّ زُجاجها ***** نفحتْ، فنال رياحها المزكومُ([9])


فاللوحة هنا زاخرة بالصور، جميلة الاسلوب والنغم لوحة تنبض بالحياة والحركة وكلمة (نفحت) موحية بذلك.

ونتيجة لحب الأخطل هذا بدأ ينهج في القصيدة العربية نهجاً جديداًحيث اسقط المقدمة الطللية([10]) من قصيدته الرائية التي امتدح بها جدار بن عباد التغلبي([11]) وبدأ الحديث بالصراع بين الفتاة والخمرة وانهى الصورة بفوز ابنة الحانة على الفتاة لجمالها وطيب عطرها ولذة مذاقها، فقال:

أعاذِلَ، ماعليكِ بأن ترَيْني ***** أباكر قهوةً، فيها احمرارُ
تَضمنَّها نُفوس الشّرب، حتى ***** يرُوحوا، في عُيونِهم انكسارُ([FONT=Times New Roman][12])[/FONT]
تَواعَدها التجار الى إناها ***** فأطلعها الى العَرب التجارُ([13])
فأعْطَيْنا الغَلاءَ بها، وكانت ***** تَأبّى أو يكونَ لها يسارُ([14])


وهذه الابيات زاخرة بالصور، التي صورها بهذه اللوحة الفنية. وعلى الرغم من تعلقه بالخمر التي تدفعه الى القيام بأعمال لايقرها المجتمع الاسلامي وينكرها في حالة صحوه فضلاً عما يقوله في سكره وعن غزله المادي الصريح، كان هجاءه عفيفاً لايخدش الحياء وقد اكدها قوله “ماهجوتُ احداً قطُّ بما تستحي العذراء ان تُنشده اباها"([15]).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) ينظر: الاغاني 8/293، انساب الاشراف، احمد بن يحيى البلاذري 5/178.
([2]) شعر الأخطل 2/700. المعذل: الذي يكثر الناس عذله ولومه. هرت: كرهت وعافت . الوخام: جمع وخيم، وهو الثقيل المكروه. التنابل: جمع تنبل وهو القصير البليد.
([3]) ينظر: الظاهرة الادبية في صدر الاسلام: احسان سركيس، ص363.
([4]) ينظر: طبقات فحول الشعراء، ابن سلام، 2/488.
([5]) شعر الأخطل 1/382، الصهباء: الخمرة لونها الى الحمرة، والعارية القذى هي الصافية جداً يظهر فيها كأنه عار لا يستره شيء.
([6]) م.ن 1/383 جربى: من الجرب، العصيم: القطران ويقال به عصمة من خلوق ومن خضاب اذا كان به منه اثر.
([7]) م.ن 1/383 تغالاه التجار: بالغوا في ثمنه، عانة: اسم موضع على شط الفرات.
([8]) تنصفنا: تخدمنا، الرقاع: جمع رقعة وهي قطعة من الخز او الكتان . الملثوم : الذي شُدّ بعض رأسه وترك بعضه ليتنفس.
([9]) تعاورت: تداولت.
([10]) ينظر: مقدمة القصيدة العربية، حسين عطوان، ص31، ولم يتخذ احد من الشعراء الأمويين المشهورين او المغمورين الأخطل اماماً له في مقدمته هذه بلاعرضوا جميعاً عنه لانهم رأوا فيها خروجاً عن التقاليد الفنية والاعراف الاجتماعية والتعاليم الدينية.
([11]) هو جدار بن عباد بن شبر بن أرطأة بن ربيعة بن الحارث بن بُعد بن عتبة بن سعيد التغلبي. شعر الأخطل 1/277.
([12]) شعر الأخطل 1/277 يروح : يصير.
([13]) الأنى: البلوغ والادراك.
([14]) اليسار: الثمن الكثير. وهذا مأخوذ من المياسرة.
([15] ) الاغاني، الاصفهاني، 8/300 .
ن
فالهجاء الذي كان فيه كثير من الافحاش والاقذاع في ذلك العصر تمنع منه الاخطل. الا ان ماجاء في كتاب الاغاني وغيره من الكتب في مواضع المفاضلة بينه وبين الشعراء أنّ الأخطل يُقدم انه كان اخبثهم هجاء ، في عفافٍ من الفحش"([1])
ومما تقدم نجد اننا امام شاعر عف اللسان والنفس، الا ان هناك الكثير من الامثلة الدالة على مجونه، منها نزوله على سعيد بن اياس بن هانئ([2]) بن قبيصة الذي اكرمه وضيّفه وسقاه خمراً، ولما سأله عن ابنتيه اخبره بكبرهما، فخرج يتغزل بهما:
صرمتْ أمامةُ حبلها، ورعومُ ***** وبدا المجمجم منهما، المكتومُ([3])

وهذا يدل على مجونه وعدم مراعاته حرمة الرجل الذي اكرمه، فضلاً عن عدم اكتراثه بحرمة الكنيسة موطن العبادة والتوبة والأستغفار لدى النصارى ، قد شغله فيها تتبع الشهوات عن الاجواء الرفيعة السامية ، فأخلد الى الأرض، يستمتع بمشاهدة فتيان العبادة وفتياتها، ويتمنى ان تصبح هذه المجالس الروحية مرتعاً للذائذه:

ان من يدخل الكنيسة يوماً ***** يلق فيها جآذراً، وظباءَ([4])
مالت النفس نحوها، إذ رأتها ***** فهي ريح وصار جسمي هباءَ
ليت كانت كنيسة الروم، إذ ذا ***** لا، علينا قطيفةً وخباءَ([5])


ولهذا نجد أن أمر تعففه في الهجاء مخالف للحقيقة والواقع، ويتضح ذلك في أحد اهاجيه لجرير في قوله:

فان تسع، يابن الكلب، تطلب دارماً ***** لتدركه، لاتفتأ الدّهر عانيا([6])
أصخ يابن ثفر الكلب عن آل دارمٍ***** فانّك لن تستطيع تلك الرّوابيا([7])


هذا هو نموذج من اهاجيه التي تعد اقلها فحشاً وإقذاعاً وفي ديوانه ماهو اكثر فحشاً واقذاعاً منها([8]).

ولعل هذا يعود لبداوة الاخطل وسفهه، وللخمرة النصيب الأكبر فيهذا لأن المدمنين اقلّ حياء، لذا لانعجب حين يصفه كعب بن جُعيل([9]) ليزيد بن معاوية بأنه: "الشاعر الفاجر الماهر"([10]).

نعم فالاخطل كان شاعراً فاجراً ماجناً، مقذعاً في هجائه ومداعباته، الا أنه اذا ووزن بجرير والفرزدق فهو اقرب منهما الى العفة.

ويقول ابن قتيبة ان هذه الخمرة "تخلف عنده عالما جديدا غير العالم الحقيقي الممل ويقال انها تزيد من شجاعة الشعراء وحميتهم في الحرب كذلك تزيد من الجود والكرم في وقت القحط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) م.ن 8/300.
([2]) سعيد بن اياس ابو عمرو الشيباني، مخضرم ذكره الطبراني.
([3]) شعر الاخطل 1/380. صرمت: قطعت، امامة ورعوم: ابنتا سعيد بن اياس، المجمجم: الخفي من الصدر. وينظر: الأغاني 8/302، وينظر: الموشح، للمزرباني 221.
([4]) جآزر: اولاد البقر، استعارها لأولاد الالبصاري، واستعار الظباء لنسائهم.
([5]) الخزانة، البغدادي، 1/4570458، لم أجد هذه الابيات في ديوانه.
([6]) شعر الأخطل 1/351 يخاطب جريراً ودارم: رهط الفرزدق، والعاني: منالعناء، وهو الاسير.
([7]) م.ن 1/352 الثغر: الفرج.
([8]) م.ن 2/762.
([9]) هو شاعر تغلب في عصره، مخضرم، عرف في الجاهلية والاسلام، ادركه الأخطل في صباه فهاجاه. الاعلام 5/225-226.
([10]) طبقات فحول الشعراء، ابن سلام 2/462.
ن
ولهذا كانوا يشربون الخمر لتزيدهم جرأة وشجاعة"([1]). وقد عدها بعض الشعراء مصدر الهامهم الشعري([2]).
لذا فان من صفات الأخطل الواضحة في شخصيته انه كان جواداً مفضالاً لانه عربي أصيل ، عاش في البادية ، موطن الكرم والبذل والأيثار، فشبّ محباً للجود ، معتزاً به، مفتخراً بفعله ، وكانت له دار ضيافة يستضيف المارة وينزل به من يعرفهم ومن لايعرفهم ويروي صاحب الاغاني([3]) ان رجلاً مرّ بدار الضيافة هذا وهو لا يعرفه فقيل له: هذا رجل شريف قد نزل بنا. فلما أمسى بعث اليه فتعشى معه ، ثم قال له : أتصيب من الشراب شيئاً ؟ قال: نعم. قال: أيّه ؟ قال كلّه الاشرابك([4]) فدعا له بشراب يوافقه وهناك الكثير من الروايات التي تدل على كرمه وجوده([5])، فهناك في الفيافي القفر يضيف كرام الفتيان، فيضرب لهم بيتاً خفاقاً، ويحوطهم بالعناية والسخاء:

وفتيةٍ، غير أنذالٍ، رفعت لهم ***** سحق الرداء على علياء تختفقُ([6])


رفعته، وهو يهفو في عمائمْ ***** كأنّه طائرٌ، في رجله علقُ([7])


ونجد في ديوانه لوم العاذلات واللائمات على الكرم ورفضه الاستجابة لهن لأن الحياة كما يقول: خير فرصة للبذل والسخاء، وعلى الانسان ان يغتنم هذه الساعات قبل ان يموت ، ويفقد القدرة على متابعة واجبات الجود، وتنقل امواله الى الوارثين، وماكان المال ليرّد موتاً أو ينيل خلوداً :-

أعاذلتي اليوم، ويحكما، مهلا ***** وكفّا الاذى عني، ولاتكثرا عذلا
ذراني تجد كفي بمالي، فإنني ***** سأصبح لاأسطيع جوداً، ولابخلا
إذا وضعوا بعد الضريح جنادلا ***** عليّ، وخلّيت المطيّة، والرّحلا*
وأبكيت من عتبان([8])، كل كريمةٍ***** على فاجعٍ قامت مشققةً، عطلا**


وقد قسموا مالي واضحت حلائلي ***** قد استبدلت غيري ببهجتها، بعلا***
واضحت لبعلٍ غير اخطل، إذ ثوى ***** تلط بعينيها الأشاجع والكحلا****
أعاذل، إنّ النّفس في كف مالكٍ ***** إذا مادعا يوماً أجابت له الرّسلا*****
ذريني، فلا مالي يردّ منيّتي ***** وما إن أرى حياً على نفسه قفلا*
وليس بخيل النّفس بالمال خالداً ***** ولا من جوادٍ ميتاً فاعلمي، هزلا([9])



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الاشربة، ص28.
([2]) ينظر: تطور الخمريات، جميل سعيد، ص155.
([3]) الاغاني 8/320.
([4]) أي الخمرة، وقد كانت الخمرة عند الشاعر العربي قبل الاسلام لوناً من الوان الفتوة والرجولة، نجد ذكرها دائماً مقترناً بالشجاعة والكرم. والاخطل مقلد لهؤلاء الشعراء. وهذا عنترة يخاطب ابنة عمه مفتخراً بشرب الخمرة لانه دليل الجود:
فاذا شربت فانني مستهلك ***** مالي وعرضي وافر لم يكلمِ
واذاصحوت فما اقصر عن ندى ***** وكما علمت شمائلي وتكرمي
ينظر: شرح المعلقات السبع للزوزني ص146.
([5]) ينظر: الموشح، للمزرباني 221.
([6]) شعر الاخطل 2/605. السحق: البالي، العلياء: الأرض المشرفة. يريد أنه ظلل عليهم في المفازة بردائه ، والريح تطير به فيضطرب.
([7]) يهفو: يخفق ويضطرب. وفي رجله علق أي: علقت رجله بشيء.
([8])عتبان: ابن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل.
* الجنادل: الحجارة والصخور، مفردها جندل. وخليت: تركت.
** العطل: التي لاحلي عليها.
*** الحلائل: جمع حليلة وهي الزوجة.
**** الأشاجع: رؤوس الأصابع او عروق ظهر الكف. اللّط: الزاق الشيء بالشيء.
***** اجابت الرسل: أي اجابت النفس رسل ربها.
* ما ان ارى حياً على نفسه قفلا أي الساري حياً يمنع نفسه من الموت أي لا يكون قفلا على نفسه.
([9]) شعر الاخطل 1/427-429.
ن
ونجد في هذه الأبيات الاثر الواضح للارث الشعري الذي ورثه الأخطل من اسلافه لغة الشعر بألفاظها الجزلة وصورها الفنية البلاغية فلا غرابة ان نجد ثقافته تزخر بالالوان البدوية ، فالدارس يجد هذه القصيدة منحدرة من قصيدة لشاعر من شعراء ما قبل الاسلام الذي اذا ذُكر الكرم كان هو اول من يوضع في الذاكرة وهو حاتم الطائي فيجد في قصيدة الأخطل هذه كثيراً من القوالب الجاهزة والصور المبثوثة فيها مستقاة من قصيدة من قصائد حاتم وهذا لم ينقص من روعة هذه القصيدة. وكأنها وصية يطرحها الى الناس وما سيؤولون اليه .

ومن معالم شخصيته ذكاؤه الذي تميز به وسرعة بديهته التي تناقلتها الاخبار، ومنها مارآه في يوم البشر([1]) من إصابة قومه بالقتل والبطش والتشريد إذ احسّ دنوّ أجله فوقف امام الخليفة عبد الملك مرتجلاً هذه الأبيات:

لقد اوقعَ الجحاف بالبشر وقعةً ***** الى الله منها المشتكى والمعوّلُ**
فالاتغيرها قريشٌ بملكها***** يكن عن قريش مستماز ومزحلُ***([2])


فغضب عبد الملك لهذا التهديد ، وشم منه رائحة التحريض على خلافة بني امية والخروج عن طاعة قريش، ولعله تذكر ماكان لبني تغلب من مؤازرة الروم على المسلمين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب فاذا هو ينتهر الاخطل بقوله : إلى اين يابن اللخناء؟. هنا اصطدم الأخطل بالواقع ، فقال: الى النارِ ياأمير المؤمنين! فقال الخليفة : أما والله لو غيرها قلت لضربت عنقك!([3]) فكاد يفلت منه زمام الامور لولا سرعة بديهته. وكانت اسباب هذا اليوم هو استفزاز الأخطل للجحاف([4]) عند دخوله على الخليفة عبد الملك بن مروان بقوله:

ألا، سائل الجحاف هل هو ثائرٌ ***** بقتلى اصيبت من سُليم وعامرٍ([5])


فقال له الجحاف:

بلى سوف نبكيهم بكل مهنّدٍ ***** ونبكي عُميراً بالرماح الخواطر


وفعلاً حدث ماحدث في يوم البشر، وما أصاب قوم الأخطل من خسائر فادحة كان بسبب ماجرّه عليه لسانه.

والاخبار والروايات عن ارتجاله وسرعة بديهته كثيرة منها ما يروى انه انشد هشام بن عبد الملك قصيدته التي يقول فيها:-

واذا افتقرت الى الذخائر لم تجد ***** ذخراً يكون كصالح الاعمال([6])


فقال الخليفة مُداعباً.. أأسلمت؟ هنيئاً لك([7]). ولكن هذه المفاجأة لم تفحم الأخطل، وانما اثارت سرعة بديهته، بقوله: ما زلت مسلماً في ديني! وهذا الكلام يؤكد ايمان الأخطل بدينه ونصرانيته على الرغم من مجونه وادمانه الخمر.

وقد قضى الأخطل نحبه على نصرانيته([8])، وروي انه كان متمسكاً بدينه مستجيباً لشعائره ومعتقداته([9]). ويتقبل عقوبة الكنيسة بالرضا والاستسلام، واذا سُئل عن هذا التذلل للأسقف والتضرع له، وتقبل الأهانة، يجيب إنه الدين!([10]) ولعل الأخطل لم يتمسك بالنصرانية لأيمانه العميق وحبه الراسخ لها، وانما كان تمسكه بها كونه لا يحرم الخمر في تعاليمه.. ومع ذلك فقد خالف تعاليم اخرى تقرها الديانة المسيحية ومنها تحريم الطلاق وذلك لتطليقه اثنتين من نسائه مما يدل على ضعف معتقده الديني ، أي انه يتبع دينه بما يتفق ورغباته وميوله النفسية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) يوم البشر: لبني كلاب على الاراقم ورئيس قيس يومئذ الجحاف بن حكيم الكلابي، وكان سبب هذا اليوم هو تعيير الأخطل اياه. وللتفصيل ينظر: شعر الأخطل1/35-38.
** المعول: الاستعانة والاستغاثة وقيل: هو الاتكال والمعتمد. الجحاف: الجحاف بن حكيم السلمي، من بني ثعلبه بن بهتة بن سليم بن منصور ولد بالبصرة.
*** المستماز: المتنحّى. اماز الشيء من الشيء اذا زايله. مزحل: المذهبوالمتنحّى.
([2]) شعر الأخطل 1/32-33.
([3]) ينظر: طبقات فحول الشعراء، ابن سلام 2/479-480، الشعر والشعراء، ابنقتيبة 1/485، والموشح، للمرزباني، 218-220، امالي المرتضى، للشريف المرتضى 1/267.
([4]) الجحاف بن حكيم السلمي احد بني ذكوان بن ثعلبة بن بُهتة ابن سُليم.كان معاصراً لعبد الملك بن مروان وغزا تغلب وقتل منهم كثيرين فأهدر دمه. الاعلام2/113.
([5]) سليم وعامر: قبيلتان من قيس وعيلان.
([6]) طبقات فحول الشعراء، ابن سلام 2/493.
([7]) ينظر: طبقات فحول الشعراء، ابن سلام 2/493-494، الاغاني 8/311.
([8]) ينظر: خزانة الادب، البغدادي، 1/461
([9]) ينظر: الاغاني، الاصفهاني، 8/310.
([10]) ينظر: م.ن 8/310-311.
ن
خاتمة المبحث الاول :


فضلاً عن ذلك التكيف الاجتماعي الذكي، كان غياث يتمتّع بقريحة وقّادة ، وطاقات فنية ضخمة . وقد تعاونت هذه العناصر مجتمعة على تكوين الجانب العقلي البارز في شخصية الأخطل.

ان القريحة الشعرية هي القدرة الفنية التي تيّسر للانسان النبوغ في الشعر، أو قل: هي الذكاء الخاص بإبداع الشعر. وقد كان الأخطل في هذا الميدان ذا قدرة هائلة تمده لانتاج خصب، وزاد وفير. وقد لبث ينهل من تلك الطاقات عشرات من السنوات وهي تزداد مع الزمن والاحداث حدة واتقاداّ. قال جرير: والله ما أخرج ابن النصرانية ما في صدره من الشعر حتى مات([1]).

ثم لماذا ننسى واقع النفس البشرية وحقائق الحياة الانسانية؟ إن المرء المتزن الشخصية ، الذي تحرر من عبودية الخمرة والشهوات لايمكن أن يكون سلوكه في خطٍ واحد في جميع أيام حياته ولا بد ان يظهر في ذلك السلوك ضرب من الاختلافات تبعاً للظروف والدوافع والغايات، ولا مفرّ من الخلاف في المواقف إزاء اختلاف الاحد اثوه هنا يظهر أثر الفروق الفردية بما تحمله من دوافع ومؤثرات نفسية واجتماعية وجسمية. وما بروز الصفات السابقة في شخصية الأخطل إلاّ لما أشرنا اليه من توزع في صميم نفسه، واستسلام لسلطان الخمرة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الاغاني 8/56.
ن

المبحث الثاني


شعره وفنونه
ن

المبحث الثاني


شعره و فنونه



ولد الأخطل في كنف والديه ، ثم طلق ابوه امه وتزوج أمرأةٍ اخرى ، فأصبح تحت سلطة ربيبته . فكانت هذه المرأة تفضلبنيها عليه وتؤثرهم بالعطف والحنان والغذاء والعناية ، وهو يخرج ليرعى أعنزاً لها. وقد ضاق بهذه الحال فلجأ الى المكر والخديعة والتحدي ، ليدرك شيئاً مما غمر به اخوته الاخرون وكان من نتاج ذلك ان قرض بيتين من الشعر:-

ألمَّ على عِنَبات العجوزِ ***** وحَسْوتها، من غِياثٍ لَمَمْ*


فظّلتْ تُهينم في بيتها ***** وتَلْعَنُ واللَّعنُ، منها أمم**([1])


ولما كانت الاثارة والاستفزاز سبباً في قرضه الاول للشعر، فقد شرع يتبع مواطن المشاكسة ليظهر ما في نفسه من كوامن الفكر والتعبير، فأذا هو يتعرض للناس ولا سيما الشعراء منهم، ليحمل نفسه على الشعر، ويشحذ القريحة ، ويهذب التجربة ، ويدرب الطاقة الكامنة المتحفزة، ويظهر بين الجماعات شاعراً له ذكر وفضل.
وأول مابدأت شاعريته وهو غلام، كان على أثر مهاجاة جرت بينه وبين شاعر قومه كعب بن جعيل التغلبي([2]) وقد برز على اثرها واحسن بموهبته الشعرية وحبه للشعر، فتولدت لديه الرغبة في الظهور، فأخذ في تنمية هذه الموهبة بصقلها بشكل جيد ليأخذ حظه من الحياة. وقد كان الشاعر الناشئ ، يميل بموهبته الى الأطلاع على نتاج من سبقه ومن عاصره من رائع القول او رديئه موازناً بين الشعراء وقد اعانه ذلك على بناء ثقافته الادبية وتعلم القواعد الفنية الصحيحة في النظم الشعري وبما يمكنه فيما بعد من التعبير عن شاعريته، فالشعر "علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء ثم تكون الدّربة مادة له ، وقوة لكل واحد من اسبابه فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرّز، وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته من الاحسان...”([3]).

وشعر الأخطل عليه طابع المدرسة الزهيرية التي عنيت بالتنقيح والتهذيب الشعري فقد كان على شاكلة زهير يعنى بشعره وتجويده عناية شديدة وكان زهير يسمي قصائده بالحوليات"([4]). لأنه ينظم قصيدته كما يقول طوال سنة كاملة ينظر فيها وينقحها قبل عرضها على الناس، فالشاعر المتمكن من اللغة يزداد لديه الحذر في محاصرة اخطائه في القصيدة حتى تخرج قصيدته أو تكاد تكون خالية من الأخطاء ، فعملهم لا يقتصر على انشاد الشعر بل يتعداه لنقده . والأخطل من اولئك الشعراء النقاد إذ قال لعبد الملك: يا أمير المؤمنين، زعم ابن المراغة ([5]) أنه يبلغ مدحتك في ثلاثة ايام وقد اقمت في مدحتك :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ألم عليها: نزل بها، وزارها زيارة خفيفة. الحسوة: ما يشرب مرةواحدة. غياث : الأخطل. اللمم: الزيارة الخفيفة.
** الهينمة : الدّمدمة. الأمم : اليسير.
([1]) ينظر: شعر الأخطل 2/782-783 وينظر الاغاني 8/302.
([2]) ينظر: الخبر في الاغاني 8/280-281 وفيه تفصيل خبر المهاجاة مع النص ولم اذكره لأنه فيه افحاشاً يخدش الحياء. والخزانة ، البغدادي، 1/460.
([3]) الوساطة بين المتنبي وخصومه، عبد العزيز الجرجاني، ص15.
([4]) ينظر: البيان والتبيين، الجاحظ، 1/204
([5]) ابن المراغة، الشاعر جرير.
ن

خف القطين فراحوا منك او ابكروا


سنة فما بلغت فيها كل ما اردت ، فقال عبد الملك ، فأسمعناها يا اخطل،... وخرج به مولى لعبد الملك على الناس يقول : هذا شاعر أمير المؤمنين ، هذا اشعر العرب”([1]).

والأصمعي كان يعيب على هؤلاء الشعراء تنقيحهم أشعارهم ، إذ كان من النقاد الذين يؤمنون بظاهرة التفاوت في الشعر ويعدون التنقيح أمراً غير مرغوب فيه على ان هناك عدداً من النقاد آثروا الصناعة والتنقيح على الطبع ومنهم ابن رشيق القيرواني الذي يخالف الأصمعي في نظرته لهذا الشعر، فعدّ صناعتهم للشعر من وجوه محسن نسق الكلام بعض على بعض([2]) ، وكانوا يستندون في فكرة ضرورة التنقيح واهميتها في عمل القصيدة بما ذكر عن الخليفة عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) وسؤاله لأبن عباس (رضي الله عنهما) عن أشعر القوم([3]).

وعلى هذا فأن التنقيح مسألة غير متفق عليها لدى نقادنا القدامى فمنهم من عابها ومنهم من أخذبها، على ان اختلافهم في مسألة تنقيح الشعر عامة وتنقيح الأخطل خاصة يعني اختلافهم في جودة شعره وقدرته على التصرف في فنونه.


حدث الأصمعي أن الأخطل كان يقول تسعين بيتاً ثم يختار منها ثلاثين فيطيرها"([4]).

فالأخطل يسلط من ذاته على قريحته ناقداً واعياً، يتحكم في التجربة والتفكير والتعبير والتصوير، ولا يبالي ان يضحي بالكثير من اجل قليل يكون كنسيج متلاحم الأجزاء.

ولهذا كان جرير يقول عنه : "كان اشدنا اجتزاء بالقليل"([5]).

ولذلك أتسم شعر الأخطل بالفحولة اللامعة ، والجزالة البعيدة ، فقلّ فيه الخطل والضعف ولأجل هذا شبه ابو عمرو بن العلاء([6]) الأخطل بالنابغة الذبياني لصحة شعره ([7]).

والأخطل بأجماع النقاد شاعر مجود وشعره في المرتبة الاولى من البلاغة والفصاحة ، ودار على الألسن وتناقله العلماء اعجاباً به. قال معاوية بن ابي عمرو ابن العلاء لأبن سلام : أي البيتين عندك أجود قول جرير:

ألَستُم خَير من رَكِبَ المطايا ***** وانْدَى العالمين بَطْون راحِ([8])


أم قول الأخطل:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الاغاني، 8/286-287 وينظر الخبر في الموشح للمرزباني ص225.
([2]) ينظر العمدة 1/129-133.
([3]) روي عن الخليفة عمر بن الخطاب قال لأبن عباس انشدني عن أشعر القوم فقال : ومن ذلك ؟ قال زهير، قال: وبما استحق عندك ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيته لا يعاضل في الكلام ولا يتبع حوشي الالفاظ ، ولا يمدح الرجل الا بما يكون في الرجال وما ذلك الا لتنقيحه شعره وترداد نظره في الكلام" تحرير التجبير، ابن ابي الأصبع المصري، ص20
([4]) الاغاني، 8/282.
([5]) م.ن 8/285.
([6]) أبو عمرو بن العلاء بن الغربان بن عبد الله الحصين بن الحارث…، وهو احد القُراء السبعة… ولد بمكة سنة (65 أو 68هـ) وتوفي في الكوفة سنة (154هـ) وكان"أعلم الناس في العربية والقرآن". من تلامذته في النحو الخليل ويونس بن حبيب، وفي الادب ابو عبيدة معمر بن المثنى والأصمعي. معجم الأدباء 11/156- 160.
([7]) ينظر: الأغاني، 8/285.
([8]) ديوان جرير، 98.
ن

شمسُ العَداوةِ، حتى يُستقادَ لُهُم ***** وأعظمُ الناسِ أحلاماً، إذا قدروا ([1])


قال ابن سلام بيت جرير أحلى وأسير، وبيت الأخطل اجزل وأرْزَن فقال: صدقت!([2]).

وكان الثعالبي يعدّ البيت السابق من "أمير شعره"([3]).

وقال عنه ابن رشيق القيرواني، ان اهجى بيت شاعر هو قول الأخطل في بني يربوع رهط جرير:

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ***** قالوا لأمهم: بولي على النار([4])


وقد قيل عن هذا البيت بأنه لم يروه الا حكماء اهل الشعر([5]). أي ان شعره كان للطبقة الراقية وليس لعوام الناس.

ولم يقتصر شعر الأخطل على غرض معين وانما خاض في أغراض الشعر كافة وإن أكثر من فني المديح والهجاء ، ولعل ذلك يرجع لسببين هما:

الأول: اتخاذ هذين الفنين وسيلة للتكسب فقد أتصل بكبار الشخصيات ليمدحهم بما يخلد اسماءهم.

الثاني: قد تكون غزارة مديحه وهجائه. راجعةً الى قيمة هذين الغرضين وفضلهماعلى سائر الأغراض فقد قيل: "كان ذو الرمة مليح الشعر يشبه فيجيد ويحسن، ولميكن هجّاء ولا مداحاً فيرفع، وليس الشاعر الا من هجاء فوضع او مدح فرفع...”([6]).

وفي هذا ما يدل على قدر المديح والهجاء وتقدمهما على غيرهما من فنون الشعر الأخرى.

وشعر الأخطل يحصر في مجموعتين بارزتين، احداهما تتمثل في مدائحه التي نظمها في الأمويين وعمالهم ، والاخرى تتمثل في اهاجيه التي بدأها بهجاء الأنصار ثم استمر بعد ذلك علىه جاء جرير وحليفته قيس عدوة قبيلته تغلب.

والمدح يمثل الحيز الأكبر في ديوانه نحو مايقارب ثلثي الديوان على أن الهجاء يمثل أقل منثلث الديوان([7]).

وقد حظيت مدائح الأخطل بأهتمام النقاد واستحسانهم ، فكانوا يكثرون من الاستشهاد بقصائده او ببعض ابياتها لميلهم الى التجزئة واصدار الأحكام النقدية عليها. وكانوا يقولون هذا أشعر أو أصدق أو ابلغ .. بيت قالته العرب في كذا من ذلك ما روي ان الخليفة عبدالملك بن مروان قال يوماً لأولاده- الوليد، وسلمان ومسلمة ما أمدح بيت قالته العرب ؟ قال الوليد: قول الأخطل (بسيط).

حُشْدٌ على الحقّ، عَيافُو الخَنا، أُنُّف ***** إذا المَّتْ بهم مَكروهةٌ صبروا
شَمسُ العَداوةِ حتى يُستقادَ لهْم ***** وأعظَّمُ الناسِ أحلاماً اذا قدرُوا([FONT=Times New Roman][8])[/FONT]


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) شعر الأخطل 1/201 الشمس: جمع شموس وهو الصعب العسر.
([2]) طبقات فحول الشعراء، 2/494 والاغاني 8/306.
([3]) الاعجاز والأيجاز، ص150.
([4]) ينظر: العمدة 2/175، شعر الأخطل 2/636.
([5]) ينظر: عيون الاخبار ابن قتيبة 2/195، الموشح، المرزباني، 224، طبقات فحول الشعراء، ابن سلام 1/496، ديوان المعاني، ابو هلال العسكري 395، حلبة المحاضرة ، الحاتمي 1/371، المستطرف في كل فن مستظرف ، الأبشيهي 1/174،.
([6]) شرح شواهد المغني، ص23.
([7]) ينظر: الديوان.
([8]) الحشد: المتحاشدون، وهو جمع حشد، العياف : الشديد الكره . الخنا: الفحش ، شعر الأخطل 1/201.
ن
وقال مسلمة : بل قول جرير( وافر)

ألَسْتُم خَيرُ من ركِبَ المطايا ***** وأنْدَى العَالمين بطون راحِ([1])


فقال عبد الملك : بل قول حسان بن ثابت (كامل)

بيض الوجوه كريمة احسابهم ***** شم الأنوف من الطراز الاولِ
يغشون حتى ما تهر كلابهم ***** لا يسألون عن السواد المقبلِ([FONT=Times New Roman][2])[/FONT]


فأختلافهم هنا يعود لأختلاف اذواقهم وعواطفهم وهما الدافع الأساس في عملية التفضيل الى جانب جودة النص نفسه ، وقد يتفق بعضهم مع بعض على جودة النص الادبي فيكثروا من حديثهم عنه فيعلق بعضهم ، ويكتفي الآخر بالأشادة به ، دون ان يدلنا على سبب تفضيله غير ان الاتفاق على الجودة يشهد للقائل بالتفوق والأتقان في صنعته وتعود هذه الجودة الى تأثره بفحول الجاهلين في الأسلوب، كما تأثرهم في الموضوع، حتى قيل فيه بحق إنه"أشبه بالجاهلية وأشد الثلاثة أسر شعر وأقلهم سقط"([3]).

وقد لعبت السياسة دوراً خطيراً في هذه المدائح . فقد أتخذ الأخطل من البيئة السياسية التي احتك بها في ظل الدولة الأموية مادة خصبة يسترفد منها في مدحه وفخره وهجائه، واتكأ على الصراع السياسي القائم في تنويع عناصر غرضه الرئيس.

فدافع عن الدولة مادحاً رجالها، مؤيداً سياستها، هاجياً أعداءها كما ناضل عن قبيلة تغلب مفتخراً ببلائها ، مهاجماً خصومها. وبلغ عدد مدائحه في ظل الأمويين سبعاً وعشرين قصيدة و خمس مقطوعات ، ولا تعدو باقي مدائحه سبع قصائد مدح بها بعض النفر من اشراف القبائل.

وضاعف الأخطل من جهده الفني في تنمية هذا الغرض ، فعني عناية كبيرة بأن يقف بين الحين والحين وقفات فنية ، منها ان يلجأ الى القسم لتنمية مدائحه وأظهار براعته الفنية في المديح . ليتخذ منه وسيلة ليؤكد بها إخلاصه وولاءه ، او شكره وثناءه فمنها ما قاله في مدح يزيد بن معاوية :

إنّي حَلفْتُ بربِّ الرّاقِصات وما ***** أضحَى بِمكّةَ من حُجْبِ وأستارِ
وبالهَديّ، إذا احمرَّت مَذارِعها ***** في يوم نُسْكٍ، وتشريقٍ وتَنْحارِ([FONT=Times New Roman][4])[/FONT]


ومدائحه التي مدح بها الأمويين لم تستطع ان تعطيه الشهرة التي نالها بمديحه للخليفة عبدالملك. فلقد تخطى بقصائده التي مدح بها الخليفة صيت الشعراء المشهورين ليبلغ بها قمة المجد الأدبي مع الفحول الكبار من الشعراء.

ومن تلك القصائد ثلاثة مطلع اولاها:-

الا يا اسلمي ياهَنْدُ هندَ بني بَدْرِ ***** وإن كان حيّانا عدىً آخِر الدَّهرِ([5])


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) ديوان جرير، ص98.
([2]) حلية المحاضرة، الحاتمي، 1/338
([3]) الاغاني 8/292
([4]) شعر الأخطل 1/171 الراقصة : الناقة تسير الخبب. الهدي : ما اهدي الى الحرم من النعم. المذارع : القوائم. التشريق : تقطيع اللحم وتقديده.
([5]) م.ن 1/179 بنو بدر: بطن من فزارة بن ذبيان من قيس عيلان.
ن
والثانية وقد هجا فيها قيس عيلان ، ومدح الخليفة ، وافتخر ببلاء تغلب في نصرة الدولة ومطلعها:

لعَمْري لَقد أسْرَيتُ لا ليلَ عاجِزٍ ***** بِساهِمة العَيْنينِ طاوِيَةِ القُرْبِ([1])


والثالثة وامتدح بها الخليفة وهجا قيس عيلان وجريراً ، مستغلاً ما كان من صراع على الخلافة ومطلعها:


خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا([2])



واذا كان الأخطل مكثراً من المديح مجوداً فيه ، فأن هجاءه لا يقل عنه جودة حتى عُرف تماماً به كما عُرف بمديحه واصل الهجاء سلب الممدوح “كلّ ما مدح به فسلبه هجاء"([3]) واذا كان المدح لا يحسن الا بالفضائل النفسية فأن الهجاء لا يصح الا بسلبها فمتى "سُلب المهجو اموراً لا تجانس الفضائل النفسية كان ذلك عيباً في الهجاء ، مثل ان ينسب إنه قبيح الوجه ، او صغير الجسم أو مقتر أو معسر..."([4]).

وذلك ما دفع ابن رشيق للقول “ اجود ما في الهجاء ان يسلب الانسان الفضائل النفسية وما تركب من بعضها مع بعض فأما ما كان في الخلقة الجسمية من المعايب فالهجاء به دون ماتقدم"([5]).

وروى صاحب الاغاني أن الأخطل عندهم هو أشعر الثلاثة، فقيل : لأنه امدحهم ! فقال : لا والله ! ولكن اهجاهم. فليس هناك من يحسن ان يقول :

ونحنُ رفَعْنا عن سَلُولٍ رِماحنا ***** وعَمداً رَغِبْنا عن دِماءِ بَني نَصْرِ([6])


ومن القضايا التي كان لها أثر واضح في أن يحظى الأخطل بمنزلة شعرية عند الأسرة الأموية هي قضية تشبيب عبد الرحمن بن حسان برملة بنت معاوية ، فثار غضب يزيد بن معاوية لهذا الامر. وارسل يطلب كعب بن جُعيل التغلبي ليرد على عبد الرحمن بن حسان الا ان كعب اًلم يرغب في هذا الامر لأنه كان قد اسلم، فلا يستطيع أن يهجو قوماً نصروا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، الا انه دله على غلام نصراني لا يبالي ان يهجوهم فجاء الأخطل وطلب منه يزيد هذا الامر، وقال له : لا تخف شيئاً، فأنبرى لهم يهجوهم بقوله :

لعن الإله، من اليهود عصاية ***** بالجزع، بين جليجل وصرارِ([7])
قوم، اذا هدر العصير رأيتهم ***** حمراً عيونهم من المسطارِ([8])
ذهبت قريش بالمكارم والعلى ***** واللؤم تحت عمائم الأنصارِ
فذروا المكارم، لستم من اهلها ***** وخذوا مساحيكم بني النجارِ([9])
إن الفوارس يعرفون ظهوركم ***** اولاد كل مفسّح أكّارِ([10])

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) شعر الأخطل 1/39. الساهمة: الغائرة الشاحبة ،ا لطاوية: الضامرة ، القرب: ما فوق الخاصرة من جانب السرة من اسفل البطن.
([2]) م.ن 1/192.
([3]) البديع، اسامة بن منقذ، ص293.
([4]) نقد الشعر، قدامة بن جعفر، ص187، طبعة دار الكتب.
([5]) العمدة، 2/174.
([6]) ينظر: الاغاني 8/286، شعر الأخطل 1/181، نصر: ابن معاوية بن بكر بن هوازن.
([7]) يعرض بالانصار لأنهم كانوا مجاورين لليهود قبل الاسلام. الجزع: منعطف الوادي.
([8]) هدر: غلا فكان لغليانه صوت. العصير: العنب المعصور، او ما بقى منه بعد ان عصر. المسطار: الخمر لم تدرك.
([9]) المساحي: جمع مسحاة وهي آلة من حديد تقشر بها الارض. بنو النجار: من الأنصار وهم رهط حسان بن ثابت.
([10]) يريد انهم يدبرون في الحرب ويولون ظهورهم فراراً . والأكار: المزارع.
X